الخاتمة: كلمة شخصية
نحن لا نرث الأرض من أسلافنا، بل نستعيرها من أبنائنا.
— مثل من تراث الأمريكيين الأصليين

«الرواد الجدد»، © مارك هنسون
لقد استكشفنا معًا سرّ كيفية توسّع الدورات الاقتصادية وانكماشها، وكيف نلتهم الطبيعة، وكيف تنهض المجتمعات بأسرها ثم تنهار. إنه، كحال كل الأسرار الجيدة، سرّ قديم؛ فقد وقف على عتبة العديد من الثورات، وحظي بتأييد كبار المفكرين على مرّ التاريخ. ورغم أنه يبدو اليوم منسيًّا تقريبًا، فإن قوته باقية: فالحقيقة حقيقة، حتى عندما تُنكَر أو تُتجاهَل أو يُستهزأ بها.
قضيتُ سنواتٍ عديدة في البحث عن الأسباب الخفية لمشكلاتنا الاقتصادية والبيئية، ثم أمضيتُ سنواتٍ أخرى في البحث وكتابة هذا الكتاب. وهو يحتوي على حكمة أعتقد أنها بالغة الأهمية لبقاء الجنس البشري، فضلًا عن كونها أساسية لآمالنا وأحلامنا في ترك عالمٍ أفضل لأبنائنا ولأبناء أبنائنا.
في طفولتي كانت تؤرّقني بعض الأسئلة: لماذا يملك معظم الناس القليل جدًّا، بينما يملك قلّةٌ منهم الكثير؟ ولماذا لا يتشارك من يملكون الكثير بحرّية مع المحتاجين؟ شغلتني هذه الأسئلة على مستوًى أو آخر طوال حياتي اليافعة، ولهذا كان أحد طموحات طفولتي أن أصبح شخصًا يتشارك ممتلكاته مع المحتاجين. لكنني، عندما كبرت، أدركتُ أن طموحي اليافع لا يمكنه بمفرده أن يساعد في التخفيف من الفقر، ولا أن يملأ ألم الانفصال الذي شعرتُ به في داخلي. ولذا سعيتُ بدلًا من ذلك إلى تحقيق الغاية الأعمق لحلم طفولتي، وذلك بأن أطوّر وعيي الخاص وأبحث في الوقت ذاته عن مساعٍ قد تساعد بطريقة ما على خلق عالمٍ أجمل.86
بعد تخرّجي من الجامعة، انطلقتُ لأصبح رائد أعمال لأرى كيف يمكن تحسين المجتمع عبر المشاريع الاجتماعية. وفي أثناء ذلك، بدأتُ أولي اهتمامًا وثيقًا للديناميكيات الاقتصادية التي ساعدت في التأثير على نتائج مشاريعي. على سبيل المثال، شاركتُ ذات مرة في إدارة مركز للعلاج والمجتمع، فكان الموقع حاسمًا لنجاحنا؛ غير أن مالك العقار كان يستحوذ على جزء كبير من أرباحنا الشهرية لمجرد أنه يحتكر موقعنا المحدّد، رغم أننا كنا أصلًا ندفع الضرائب على الدخل والرواتب والمبيعات. كنا على استعداد لأن ندفع مقابل مزايا الموقع الجيد — لكن ليس مرتين. وبما أن الانتقال إلى موقع آخر كان سيؤدي إلى فقدان الميزة الموقعية، فقد تعلّمتُ بشكل مباشر مدى قدرة ملّاك الأراضي — أو بالأحرى مدى تمكين نظامنا لبعضهم — على انتزاع دخولٍ غير مكتسبة من إسهامات الآخرين في المجتمع.
على مرّ السنين خطر لي أن البنية الاقتصادية نفسها تؤثر في البشر بطرق أقوى بكثير مما يمكن أن يؤثر به أي مشروع ريادي منفرد. وبدأتُ أتساءل عمّا إذا كانت حالة الاقتصاد مسؤولة عن مصائر أممٍ بأكملها. كان ذلك إدراكًا عميقًا: فلو جرى تعديل البنية الأساسية لاقتصادنا لتلبية الاحتياجات الاجتماعية على نحوٍ أفضل، فربما يأتي وقتٌ لا تكون فيه حاجة تُذكر إلى المشاريع الاجتماعية أو العمل غير الربحي. إذ يمكن للاقتصاد نفسه أن يصبح مشروعًا كبيرًا واحدًا للخير الاجتماعي.
كان التحدي التالي أن أكتشف ما الذي يحتاج بالضبط إلى التغيير في اقتصادنا، ولماذا، وكيف. قررتُ ألا أدرس الاقتصاد السائد دراسةً رسمية، لأنني حدستُ أن مؤيديه إما لم يتوصّلوا بعدُ إلى حلٍّ شامل ومجرَّب عبر الزمن للفقر وعدم المساواة في الثروة، أو أنهم لا يملكون الشجاعة للدفاع علنًا عن موقف قد يكون مثيرًا للجدل سياسيًّا. وشرعتُ في أن أكتشف بنفسي ما الذي يلزم حقًّا فعله للقضاء على الفقر وخلق عالم أكثر ازدهارًا للجميع.
وهكذا بدأت فترة استمرت عدة سنوات بحثتُ خلالها في جوانب مختلفة من الاقتصاد. لكن بحثي لم يقدّم إجابة قاطعة إلى أن صادفتُ قانون الريع. فهمتُ على الفور جوهر هذا المبدأ، وأدركتُ أن خصخصة قيم الأراضي تصف بعبارات أساسية كيف يجني الأفراد والمؤسسات أرباحًا من الأرض على حساب الآخرين. ولكي أتعلّم المزيد عن هذا المبدأ الاقتصادي، كان عليّ أن أجمع تعليمي قطعةً قطعةً من مصادر متنوعة؛ فلم أتمكّن من العثور على كتاب واحد يشرح الموضوع برمّته بطريقة شاملة وبسيطة يمكنني فهمها. ومع مرور الوقت، أدركتُ أن مهمة شرح هذا الموضوع، بطريقة يمكن لشخص مثلي أن يفهمها، ستقع على عاتقي.
كتبتُ الأرض بنيّة الفهم، وكذلك بنيّة أن أقدّم للعالم حلًّا اقتصاديًّا قد يخفّف من علله الكثيرة. غير أنني، كلما طالت دراستي لهذا الموضوع، ازداد إحساسي بمدى انتشار جهلنا الجماعي. فعلى المستوى الإنساني، ما زلتُ جزءًا من قصة جماعية تبدو مصرّة على إدامة وهم الانفصال والتشتت؛ ولا يزال قلبي يتأثّر بعمق حين أرى المعاناة القاحلة بين المشردين أو أشهد الكفاح المالي في الحياة اليومية. بدا لي من المناسب أن أستجيب بالرحمة للمعاناة التي نسبّبها لبعضنا بعضًا، وأن أؤدّي دوري الصغير في مساعدتنا على تصوّر وخلق أنظمة اجتماعية واقتصادية جديدة. ونتيجة لذلك، شرعتُ في تطوير مفهوم «الوحدوية» (Unitism) — بديل مستدام عن شكل الرأسمالية الحالي لدينا. وأنا أدعو الأطراف المهتمة للانضمام إليّ في هذا الجهد بزيارة موقع الوحدوية على unitism.com.
ربما يفتح لك هذا الكتاب آفاقًا نحو أفكار جديدة حول كيفية التفكير والعمل لإحلال إنسانية جديدة يزدهر فيها الجميع. إنه هديتي إلى العالم. وإذا أعجبك هذا العمل، فأرجو أن تفكّر في مشاركة تقديرك له مع الآخرين بطريقة ذات معنى بالنسبة لك.
لقد تحقّق الآن غرضي من كتابة هذا الكتاب، ووجدت المادة طريقها إلى يديك: فخذها من هنا وامضِ بها. أتمنّى لك التوفيق، يا رفيق دربي العزيز على كوكب الأرض الجميل.